القائمة الرئيسية

الصفحات

عمليات نقل وزراعة الأعضاء (فقهيا - طبيا - قانونيا)

عمليات نقل وزراعة الأعضاء

يخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف عن أهمية التواد والتراحم والتعاطف حيث يقول "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
وما أشار إليه المصطفى صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث يمكن تحقيقه بالعديد من الوسائل، ومن أهم تلك الوسائل التي تمكننا من أن نعيش حياة التواد والتراحم والتعاطف بين أفراد المجتمع مع بعضهم البعض هي السعي الدائم للحفاظ على الروح والنفس البشرية والسعي إلى إحيائها.

وما حدث في عصرنا الحديث من ثورات علمية في مجال نقل الأعضاء وما تلاها من التقدم الحادث في اكتشاف الأدوية المناعية وكذلك في المجال الجراحي، كل ذلك قد ساعد على حدوث قفزات تقدمية في مجال نقل الأعضاء، فلم يعد الأمر يقتصر على عمليات نقل الأعضاء من الشخص المعافى أو السليم إلي المريض، بل تطور الأمر إلى إمكانية نقل الأعضاء من جثث الموتى إلى الأحياء المرضى.
وبالطبع لم يسلم هذا المجال من النوايا المفسدة، فقد صاحب التقدم المحقق في مجال نقل الأعضاء إلى حدوث بعض الانتهاكات الأخلاقية التي تجسدت في جعل أعضاء البشر سلعة يمكن المتاجرة بها، بل قد اضطر البعض إلى بيع أعضائهم مقابل ثمن بخس من المال لا يغني ولا يسمن من جوع.
وما سبب وجود كل هذه الانتهاكات إلا بوجود من باعوا ضمائرهم من الجراحين الذين باعوا أنفسهم للشيطان وتخلوا عن القسم الذي قطعوه على أنفسهم في بداية مسيرتهم، ليسيئوا بذلك إلي كامل المجال الطبي وهو ما قد يظلم هؤلاء الذين قد تحلوا بالشرف والتزموا بالميثاق الذي قد قطعوه على أنفسهم ولم ينخرطوا في هذه الانتهاكات والضلالات وهم كثر ولله الحمد.

وإن كان ظهور عمليات نقل الأعضاء أمر حديث في العمليات الجراحية والتي ظهر بوضوح في أيامنا هذه، إلا أن الفكرة قد ظهرت مبكرا في العام 3000 قبل الميلاد، حيث قد قام في آنها طبيبان مسيحيان بعملية زرع ساعد لأحد المرضى وقد بترت ساقه من شخص قد توفى حديثا.

مراحل عملية نقل الأعضاء

تتكون عملية نقل الأعضاء من ثلاثة مراحل هي كالتالي:

الأولى: هي أخذ العضو من المتبرع.
الثانية: بتر العضو التالف أو الفاسد في المريض أو الشخص المستقبل لهذا العضو والعمل على التهيئة الجراحية لعملية النقل.
الثالثة: عملية نقل العضو من الشخص المتبرع إلى الشخص المستقبل والعمل على تثبيت العضو والمعالجة الجراحية له.
بشكل نظري وعلمي فإن العضو المنقول قد يتم نقله من إنسان أو حيوان.


الآراء الفقيهة في عمليات نقل الأعضاء

يكثر الجدل الدائر حول عملية نقل الأعضاء من حيث الآراء الشرعية في عمليات نقل الأعضاء من شخص لآخر، ولذا فقد اجتهد الفقهاء المعاصرين للعمل على الوصول إلى حكم شرعي في هذه المألة الحادثة التي لم تكن قد ظهرت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولا عهد الصحابة أو التابعين.

بداية فإن صور نقل الأعضاء متعددة، فقد تتم عملية نقل العضو من الشخص لنفسه، ومثال ذلك هو أخذ جزء من وعاء دموي ثم وضعه في القلب ليقوم بالتعويض عن الشريان التاجي المغلق أو المسدود، وتسمى تلك العملية بـ By Pass Operation، وأيضا من أمثلة عملية نقل العضو من الإنسان لنفسه هو أخذ بعض أجزاء الجلد من المناطق السليمة ومن ثم ترقيع الأماكن التي حدث بها تشوهات أو قد تم الإضرار بها بواسطة حرق أو أصيبت بمرض ما تسببه في حدوث تشوه.
ولا يوجد أي جدال قائم في عملية النقل من الشخص لذاته، ما دام هناك ضرورة تستدعي حدوث ذلك، وما لم ينتج عن إجراء الجراحة أي ضرر على الشخص.  

وأما عملية نقل الأعضاء من شخص لشخص آخر فهي على صورتين
الصورة الأولى: أن تتم علمية النقل من شخص متوفى لشخص حي.
الصورة الثانية: أن تتم عملية النقل من شخص حي لشخص آخر حي أيضا.

في الصورة الأولى: وهي صورة النقل من ميت لحي فلا يوجد فيها جدال ما دام في ذلك النفع والمصلحة، بحث تعمل عملية النقل على تحسين حالة الفرد المحتاج إلي العضو أو على إنقاذ حياته، وأيضا طالما كانت هذه هي رغبة الميت قبل موته أو بموافقة أهله بعد موته.

أما الصورة الثانية: وهي صورة نقل العضو من شخص حي لآخر حي أيضا، فهذه الصورة على وجهين:

الأول: هو نقل أحد الأعضاء الضرورية لحياة المتبرع والتي يتوقف حياته عليها وبنقله من المتبرع تنتهي حياته بموته كنقل القلب مثلا، وهذا النوع غير جائز بلا أدنى شك، إلا أن بعض العلماء قد أجازوا عدد من الحالات التي تسمح بذلك مثل حالات الإعدام أو القصاص الشرعي.

الثاني: أن يتم نقل عضو من شخص حي لآخر، ولا تتوقف حياة الشخص المتبرع على هذا العضو، مثل نقل إحدى الكليتين أو نقل فص من فصوص الكبد، وقد أجيز هذا الوجه بشرطين:
الشرط الأول: أن تتم عملية النقل بموافقة المتبرع بنقل عضو منه للشخص مريض.
الشرط الثاني: أن تتم عملية النقل بدون مقابل مادي موهوب للمتبرع.
وتوجد بعض العمليات التي قد حرمها العلماء حرمة قطعيا كنقل الأعضاء التناسلية مثل الخصيتين أو المبيض وذلك منعا لاختلاط الأنساب.

أمثلة على بعض الأعضاء التي يمكن نقلها:

أحيانا يتم اللجوء إلى عمليات نقل القلب في بعض الحالات وذلك بسبب حدوث فشل الشرايين التاجية في عملية نقل الدم إلي القلب وما يصاحبه من تضخم في عضلة القلب وصولا لمرحلة فشل القلب الوظيفي.

يتم اللجوء إلى زراعة الرئة في عدد من الحالات منها حالات التلف الكامل أو التلف الكلي للرئتين والذي نتج من التليف الحويصلي، أو في أمراض الصدر المزمنة.

تتم عملية زراعة الكبد في بعض الحالات وهي تلك التي يكون الكبد فيها تالفا وذلك نتيجة لعدد من الأسباب يعد التليف الكبدي والسرطان أهم تلك الأسباب.

تتم زراعة البنكرياس في بعض حالات تلف العضو والتي قد تنتج بسب السرطان أو بسبب الإصابة بمرض السكري المتقدم.

تتم عملية زراعة الأمعاء في بعض الأشخاص الذين يعانون من تلف الأمعاء والذي نتج من بعض الامراض كمرض كرونزا أو السرطان.

من الممكن ألا تقتصر عملية النقل على نقل أو زرع عضو واحد فقط بل قد يتطلب الأمر في بعض الأحيان أن تتم عملية النقل لأكثر من عضو في نفس الوقت، مثل حالات نقل القلب والرئتين في وقت واحد.

هل يمكن أن يتبرع أي شخص بأعضائه؟

قطعا فإن الجواب لا، حيث إن الأمر يتطلب عدد من الشروط والتي قد تتعارض مع ملائمة الشخص لإمكانية تبرعه بأعضائه. وتجرى عدد من الفحوصات الكثيرة والتحاليل المعملية قبل تحديد كون الشخص مناسب لعملية النقل والتبرع أم لا.  

هل يمكن أن تنقل الأعضاء من أي شخص لآخر؟

بلاش شك فإن الجواب هنا أيضا بلا، حيث توجد حالات كثيرة غير مؤهلة لذلك ومن المحتمل أن تمنع عمليات النقل في بعض الحالات تماما، ويرجع ذلك لسوء حالة المنقول إليه أو فقد الاستعداد الجسدي للقيام بتلك العملية.

هل تنجع عمليات نقل وزراعة الأعضاء في كل الحالات؟

لا، بل قد تفشل هذه العملية في أحيانا كثيرة وقد تصل أحيانا إلى وفاة المريض بل وفي بعض الأحيان الأخرى المتبرع.

ما اللازم عمله قبل أن يتم إجراء العملية (علمية النقل)؟

تعد عملية أخذ عينات من دم ومن أنسجة المريض أو المنقول إليه واحدة من أهم الإجراءات التي يلزم القيام بها قبل إجراء العملية، وذلك للقيام بتحليل تلك العينات والتحقق من التوافق بين أنسجة المتبرع والمريض.

ما أهمية إجراء اختبار التوافق النسيجي السابق ذكره؟

يعد هذا الاختبار من الاختبارات الضرورية والهامة جدا، وذلك لما هو معلوم بأن كل منا لديه جهازه المناعي،
يقوم الجهاز المناعي بمهاجمة أي جسم غريب يدخل إلى الجسم ويتصل به، وينتج عن ذلك أنه في حالة عدم التوافق النسيجي بين الطرفين المتبرع والمستقبل فإن الجهاز المناعي للمستقبل سيهاجم هذا العضو المزروع بشدة حتى يقوم بإتلاف ذلك العضو تماما. وهذا ما يوضح أهمية هذا الاختبار حيث يوضح مدى قبول الجسم لهذا العضو المزروع.

مسائل تتعلق بعمليات نقل وزراعة الأعضاء

من الممكن أن يتبرع أي شخص بعضو من أعضائه بعد وفاته وذلك بشرط أن يكون قد أوصى برغبته في ذلك، كما يمكن للشخص أن يتبرع بعضو من أعضائه أو بجزء منها مثل فص من فصوص الكبد أو إحدى كليته في حياته وذلك في حال كون جسده خاليا من الأمراض تماما، وأن يبلغ من العمر سنا يتراوح بين 18 إلى 60 عاما ومن المفضل ألا يزيد عمره أو ينقص عن ذلك.

يعتبر العديد من العلماء أن التبرع بالأعضاء أمر مماثل للزكاة، حيث إنه من الجائز لك أن تنفق على محروم أو تعطي محتاج من مالك فإنه من الممكن أبضا أن تتبرع ببعض من أعضائك لمن يحتاج أو لمن تتوقف حياته على هذا العضو وذلك بشرط أن يكون هذا تبرعا بدون مقابل.

من المتفق عليه بأن الأطباء المسؤولون عن تحديد وإعلان الوفاة لا يجوز لهم أن يشتركوا بأي طريقة في أي إجراءات تختص بعمليات النقل والزراعة المتعلقة بالمتوفي، تجنبا لحدوث أي شبهة تواطؤ أو وجود أي مصلحة وللبعد عن الوقوع في الاتهامات والاشتباه في الطبيب من قبل أهل المتوفي.

قانونا لا يمكن أن يعامل الجسم البشري كالسلع التجارية ووضعه في المقايضات أو المضاربات ترتبط بعمليات نقل وزراعة الأعضاء سواء كانت بمقابل مادي أم بدون مقابل مادي، ويحظر قانونا أي إعلانات تنشر بخصوص هذا الجانب.

في حال شك الأطباء بوجود أي شبهة خلال عملية نقل الأعضاء تختص بوجود عمليات بيع الأعضاء بمقابل مادي فيتوجب عليهم الامتناع عن إجراء تلك العملية بل ويجب عليهم أن يقوموا بإبلاغ السلطات المعنية بالأمر سعيا إلى منع هذا النوع من التجارة التي تقع تحت جريمة الإتجار بالأعضاء البشرية.

من الممكن أن تحدث بعض المضاعفات أو المخاطر للشخص المتبرع لذا من الواجب على الطبيب المختص قبل تنفيذ أي عملية من هذا النوع أن يقوم بإخبار المتبرع بكل المخاطر المحتملة ومن الضروري أن يتم الحصول على توقيع من المتبرع على طلب رسمي يفيد بعلم المتبرع بتلك المخاطر المحتملة.


على الأطباء المختصين بتحديد وفاة شخص سيكون مصدر للتبرع ونقل الأعضاء منه لشخص آخر مريض أن يتم التأكد قطعيا من وفات قبل إجراء العملية لمن يحتاج تلك الأعضاء.

لا زال تعد عمليات نقل وزراعة الأعضاء ن العمليات التي بها جدل مستمر، ولكن من المتوقع قريبا بإذن الله أن يتم وضع ضوابط محددة يتم الاستقرار عليها لينتهي بها ذلك الجدل قريبا إن شاء الله.

تعليقات

التنقل السريع